محمد ابراهيم شادي
96
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
غرابة الأوضاع التركيبية : وهذا من إعجاز النظم ، وللرافعي فيه كلام لم أفهمه إلا بعد أن استدعيت أساس فكرته عند القدماء ورأيت كيف أخذها الرافعي وسلخها وغير خلقتها لكنه لم يستطع أن يبدل لحمها وعظمها ، يقول : " وهذا أمر دقيق لا بد لنا من طلب وجهه لأنه شطر الإعجاز ، ذلك أنك حين تنظر في تركيبه لا ترى كيفما أخذت عينك إلا وضعا غريبا في تأليف الكلمات وفي مساق العبارة بما يجعلك تقطع أن هذا الوضع وهذا التركيب ليس في طبع الإنسان " 282 إعجاز القرآن . وهذا الكلام عام ولا يفهم منه غير خصوصية التراكيب القرآنية وظهور الطابع الإلهى في نظم كلماتها ، ثم يقول بعد هذا وهو بصدد الموازنة النظرية : " ولو ذهبت تفلي كلام العرب من شعر شعرائهم ورجز رجازهم وخطب خطبائهم وحكمة حكمائهم وسجع كهانهم على أن تجد ألفاظا في غرابة تركيبها ( التي هي صفة الوحي ) كألفاظ القرآن ، وعلى أن تجد لها معاني كهذه المعاني الإلهية التي تكسب الكلام غرابة أخرى يحس بها طبع المخلوق ويعتريه لها من الروعة ما يعترى لما وجدت إلا لغة وأوضاعا ومعاني إنسانية " « 1 » . وقد حذفت بعض الكلمات حتى يتصل أول الكلام بآخره على نحو يمكننا من السيطرة على المقصود ، والمهم بعد هذا ما ذا كان يقصد الرافعي بغرابة الأوضاع التركيبية التي لا نظير لها في نثرهم ولا في شعرهم ، والتي يشعر بها وبمعانيها الإلهية كل مخلوق فتعتريه الروعة والمهابة ؟ . كان يقصد بذلك خروج النظم القرآني عن المألوف من خطبهم وحكمهم وسجعهم وشعرهم خروجا يستدعى غرابة ودهشة المستمع ، حتى لا تجد مفرا من التسليم بأن هذا الذي لا أثر فيه للطابع البشرى لا يكون إلا من عند اللّه سبحانه . واستمد الرافعي فكرته تلك من بين فكرتين : إحداهما للرمانى عند حديثه عن وجه من وجوه الإعجاز العشرة عنده وهو نقص العادة إذ يقول : " فإن العادة
--> ( 1 ) إعجاز القرآن للرافعي 283 .